براعة الاستهلال
البراعة لغة:كمال الفضل.
والاستهلال لغة:الابتداء، كما فى اللسان.(1)
براعة الاستهلال اصطلاحا:ضرب من ضروب الصنعة التى يقدمها أمراء البيان ، ونقاد الشعر، وجهابذة الألفاظ ، بأن يبدأ المتكلم بمعنى ما يريد تكميله ، وإن وقع فى أثناء الكلام(2) وقد ذكر ابن المعتز فنا فى محاسن الكلام سماه (حُسن الابتداءات)(3)، وأراد بهذه التسمية ابتداءات القصائدة إذ ينبغى للشاعر إذا ابتدأ قصيدة ابتدأها بما يدل على غرضه فيها.
وكذلك ينبغى للخطيب إذا ارتجل خطبة، والبليغ إذا افتتح رسالة، أن يكون ابتداء كلامه دالأ على انتهائه ، فالابتدأء أول ما يقرع السمع ، فإن كان عذبا، حسن التركيب ،صحيح المعنى، أقبل السامع على الكلام فوعاه ، وإلا أعرض عنه ، وإن كان الباقى فى غاية الحسن (4).
وتعد (براعة الاستهلال) فرعا فرعه المتأخرون مما يسمى (حسن الابتداءات) فيرى السيوطى أن براعة الاستهلال أخص من حسن الابتداء ، لأن البراعة لابد فيها من الإشارة إلى ما سيق الكلام لأجله ، بخلاف حسن الابتداء فلا يشترط فيه ذلك (5).
غير أن الخطيب القزوينى لا يرى فرقا بين حسن الابتداء وبراعة الاستهلال ، فكلاهما شىء واحد، وبأيهما سميت كنت مصيبا، فأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود، ويسمى براعة الاستهلال (6).
وإذا تأملت السور القرآنية ، جملها ومفرداتها ، رأيت من البلاغة والتفنن فى الفصاحة ما لا تقدر العبارة على حصر معناه.(7)
فمن الأمثلة القرآنية، قوله تعالى:
{إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}الإسراء:7.
{ليس لها من دون الله كاشفة}النجم:58.
{صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة}البقرة:138.
ومن أمثال السنة النبوية، قوله صلى الله عليه وسلم:
(الحلال بين والحرام بين)
(خير الأمور أوساطها)
(لا ضرر ولا ضرار)(8)
ومن الأمثال الشهيرة التى سارت على وجه الدهر، قولهم:
(تسمع بالمعيدى خير من أن تراه) يضرب مثلا للذى رؤيته دون السماع به.
وقولهم (أسمع جعجعة ولا أرى طحنا) أى أسمع جلبة ولا أرى عملا ينفع التمثيل إذا.
وقولهم (مواعيد عرقوب) وهو رجل يهودى من خيبر كان يعد ولا يفى ، فضربت به العرب المثل.
وقد اتفق أصحاب الذوق السليم على أن التمثيل إذا جاء فى أعقاب المعانى ، سواء كان المعنى مدحا أو ذما حجاجا أو افتخارا ، اعتزارا أو وعظا ، كساه أبهة ورفع من شأنه ، فتتحرك النفس إليه ويهفو القلب له ، وهكذا الحكم إذا استقرأت فنون القول وشعوبه.(9)
أ.د/عبد القادر حسين
__________
الهامش:
1- لسان العرب لابن منظور مادة (برع)، ومادة (هلل) ط دار المعارف.
2- تحرير التحبير لابن أبى الإصبع المصرى، ص168 ، ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
3- البديع لابن المعتز ص75 ط كراتشكوفسكى.
4- الوشاح للكرمى 3 /254 ط1375هـ.
5- معترك الأقران للسيوطى 1 /75 ط مصر.
6- الإيضاح للخطيب القزوينى ص485 ط الآداب.
7- التبيان للطيبى ص456 طبعة عالم الكتب.
8- كشف الخفاء ومُزيل الإلباس للعجلونى 1 /365 ، 591 ، ط مصر 1352هـ.
9- أسرار البلاغة لعبد القاهرالجرجانى ص115 ، 116 ط جدة
مفاهيم إسلامية - (ج 1 / ص 71)
البلاغة
لغة:الوصول والانتهاء ومشارفة الغاية.كما فى اللسان. يوصف بها الكلام والمتكلم ، ولا توصف بها الكلمة إلا على سبيل المجاز. قال الزمخشرى فى أساس البلاغة، ومن المجاز:حفظت كلمة الحويدرة (الشاعر) لقصيدته ، وهذه كلمة شاعرة.
واصطلاحا:مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته ، والحال ويسمى المقام:هو الأمر الذى يدعو المتكلم إلى أن يعتبر فى كلامه خصوصية ما، فيأتى بكلامه على نحو خاص من الصياغة والتعبير من تقديم وتأخير أو ذكر أو حذف أو تعريف أو تنكير أو قصرأو إنشاء وغيرذلك من المعانى التى تترجم عن فكر المتكلم وقلبه ،ولذا قالوا:لكل مقام مقال ، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام ومجىء الكلام معبرا عن حال صاحبه ملائما لحال المخاطب يسمى مقتضى الحال ، أو الاعتبار المناسب، فذكاء المخاطب يقتضى الإيجاز، والانكار يقتضى التوكيد ، والإنكار يقتضى التعريف والتكذيب والتوبيخ اقتضى همزة الاستفهام الإنكارى فى قول الله تعالى ردا على عقائد المشركين:{أصطفى البنات على البنين}الصافات:114 ، وهكذا تتغير الأساليب وتتنوع خصائص التعابير لتشمل كل كلام بليغ ، والاعتبار المناسب يقابل مصطلح النظم أو نظرية النظم التى طورها وأوفى بها الغاية الإمام عبد القاهر الجرجانى 474هـ.
بلاغة المتكلم:هى حالة راسخة، أو ملكة عند البليغ يعبرويبدع فى ذوق ورهافة حس ، ودقة فكر ومطابقة لمقتضى الحال.
مراتب البلاغة:يتفاوت البلغاء فى تعابيرهم وإلمامهم بالمقامات ومواهبهم وثقافتهم وقوة خيالهم ونفاذ فكرهم ، تفاوتا كبيرا ، شعرا ونثرا ثم يأتى النظم القرآنى ممثلا للإعجاز الذى فاق القوى، والقدرة والفصاحة داخلة فى مفهوم البلاغة التى تتوج علوم العربية وفنونها من اللغة والنحو والصرف والتعمق فى الأدب شعرا ونثرا ليكون الشكل والمضمون كلا لا يتجزأ.
وقد تفرع من البلاغة علم المعانى أو التراكيب ، وعلم البيان من تشبيه ومجاز ، وكناية ، وعلم البديع بمحسناته المعنويه واللفظية ، إن برئت من التكلف واقتضاها المقام.
أ.د/صبّاح عبيد دراز
__________
مراجع الاستزادة:
1- البلاغة تطور وتاريخ د/شوقى ضيف نشر دار المعارف ط3.
2- عبد القاهر الجرجانى د/أحمد بدوى الناشر مكتبة مصر ط2.
3- الإيضاح الخطيب القزوينى تحقيق د/عبد المنعم خفاجى دار الكتاب اللبنانى ط5 سنة 1403هـ-1983م.
4- بغية الإيضاح الشيخ عبد المتعال الصعيدى المطبعة النموذجيه القاهرة.
5- البيان والتبيين الجاحظ مكتبة الخانجى مصر.
6- شروح التلخيص طبع عيسى الحلبى سنة 1937م.
7- العمدة لابن رشيق دار الجيل بيروت لبنان ط4 سنة 1973م.
8- نظرية عبد القاهر فى النظم د/درويش الجندى مكتبة نهضة مصر سنة 1960م
مفاهيم إسلامية - (ج 1 / ص 139)
خطبة الجمعة
لغة: الخطبة بضم الخاء مصدر(خطب).أى ألقى الكلام إلى الغير لإفهامه ، والجمعة: اليوم المعروف وهو يوم العروبة(1).
واصطلاحا: الخطبة تطلق على معنيين: أحدهما: الكلام المنثور سجعا كان أو مرسلا.
وثانيهما: إلقاء الكلام المنثور مسجوعا كان أو مرسلا لاستمالة المخاطبين إلى رأى أو ترغيبهم فى عمل (3).
وعلى ذلك فخطبة الجمعة عبارة عن: إلقاء الكلام المنثور وتوجيهه إلى الناس فى اليوم المعلوم من إمام الجمعة، أو هى الكلام نفسه الملقى عليهم.
وهى خطبتان قبل الصلاة يجلس بينهما الإمام هنيهة، ولها أركان وشروط ، على خلاف فى بعضها أو إطلاق أو تقييد.
فأركانها: حمد الله تبارك وتعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصية بتقوى الله تعالى، والدعاء للمؤمنين وهو خاص بالخطبة الثانية، وقراءة شىء من القرآن ولو آية واحدة، والموعظة وهى القصد منها.
ومن شروطها: الوقت وهو بعد الزوال ، وتقديم الخطبتين على الصلاة، والقيام فيهما عند القدرة، والجلوس بينهما مع الطمأنينة فيه ، والطهارة عن الحدث والنجس ثوبا ومكانا ، ورفع الصوت بحيث يسمع ، والعدد الذى تنعقد به الجمعة.
وقد اختلف الفقهاء فى حرية الكلام أثناءها.فالجمهور على حرمته ، والشافعى فى الجديد وأحمد فى رواية على عدمها.والله أعلم.
د/عبد الصبورمرزوق
__________
الهامش:
1- مختار الصحاح دار المعارف ص110، ص180.
2- فن الخطابة وإعداد الخطيب للشيخ على محفوظ ص14 دار الاعتصام 1984م.
مراجع الاستزادة:
1- الكافى لابن قدامة المقدسى فيصل عيسى الحلبى 1/ 231.
3- الاختيار لتعليل المختار للموصلى الحنفى ط الإدارة المركزية للمعاهد الأزهرية 1 /108.
3- مغنى المحتاح ، ط مصطفى الحلبى 1 /385.
4- كفاية الأخيار فى حل غاية الاحتصار للحصنى الشافعى 10 /148
البصيرة في الدعوة إلى الله - (ج 1 / ص 152)
من أخطاء الخطباء :
ولقد أصبحنا نشاهد كثيرًا من المخالفات الظاهرة لدى شريحة كبيرة ممن يرقَوْن أعواد المنابر ، وأذكر هنا ما يتعلق بالأسلوب الخطابي ، من ذلك : الإلقاء المجرد عن الحماس والانفعال المنضبط بالقواعد الشرعية ، والأصول المرعية ، وجلب اهتمام المصلي وتفاعله مع الخطيب ، حتى إن النوم ليتسلل إلى المستمع بسبب برودة الإلقاء وضعفه ، خاصة إذا صاحب ذلك قراءة الخطبة من ورقة أو يكون في الخطبة سردُ خلاف أهل العلم في المسائل الفقهية ؛ فتجد بعضهم يفصل في المسألة بسرد خلاف الفقهاء ، وينتقل إلى الترجيح عن طريق المسالك العلمية ، والمدركات ، وفي الحقيقة إن المنبر ليس مكانًا لهذا التفصيل ، والعرض للمسائل الخلافية ، ولا يخفى أن أغلب الحضور من العامة ، فإيقافهم على هذا النمط من التعليم إفساد لهم ، وتشتيت لأفكارهم ، وزعزعة لثوابتهم .
البصيرة في الدعوة إلى الله - (ج 1 / ص 153)
نعم من الممكن أن تكون هيبة الصعود على المنابر قد زالت في هذا الوقت ، بسبب عوامل عديدة ، من ذلك توافر الخطب المكتوبة ، وانتشار الكتب والبرامج التي تدرب على الخطابة ، فتجد مثلا بعض الخطباء في الجمعة يستخدم أساليب خطب الاحتفالات : من كثرة الالتفات ، والنظر إلى الحضور جميعهم ، وكثرة التعبير بالإشارة ، والتجاوز بها موضع الحاجة ، وأيضًا محاولة استجواب المستمعين عن طريق طرح أسئلة ما ، ومطالبة المصلين بالإجابة على سؤاله ، سواء كان إنكاريا ، أو غيره ؛ ظنا منه أنه بهذه الطريقة يستطيع جلب اهتمام المصلين والحفاظ على قدر كبير من حضورهم وتفاعلهم معه ، بل إن بعض الأساليب تمثل خروقا لقدسية الخطبة من خلال تعمد الإتيان بقصص ، أو مواقف مضحكة ، لا يملك المستمع إلا الضحك معها .
فخطبة الجمعة عبادة لها أركانها ، وشروطها ، وواجباتها ، وسننها ، وآدابها ، فليس هناك مساحة للاجتهاد في هذه العبادة ، ولا تشبه بباقي الخطب ؛ وذلك لخصوصيتها الشرعية .
البصيرة في الدعوة إلى الله - (ج 1 / ص 154)
الأسلوب الأمثل للمحاضرات :
وفي المقابل نجد في مناشط الدروس العلمية والمحاضرات العامة ظواهر من جهة الأسلوب الإلقائي ، من هذه انتشار ظاهرة رفع الصوت رفعا كبيرا ، حتى إن المار وهو يسمع صوت الملقي ليظن أنه يخطب للجمعة ، أو أنه منذر جيش ، ومعلوم أن الدرس العلمي والمحاضرة العامة قائمتان على التفهيم والتفصيل والبسط ، ويحتاجان من الملقي إلى : هدوء تام ، وخفض صوت بالقدر الذي يمكن أن يصل إلى المستمع ، وقد يحتاج الملقي إلى تكرار الكلام ثلاثا للتفهيم كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم .
« فعن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه . وقالت : كان يحدثنا لو عده العاد لأحصاه . وقالت : إنه لم يكن يسرد الحديث كسردكم » (1) .
وعن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه فإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم ثلاثًا » (2) .
_________
(1) أخرجه : البخاري ( 6 / 567 ) ، ومسلم ( 18 / 129 ) .
(2) أخرجه : البخاري ( 1 / 188 ) .
خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة - (ج 1 / ص 3)
فإن المرء لا يكون خطيبا بمجرد صعوده المنبر ، ومخاطبة الجموع ، فالخطابة لها قواعدها ، ومعالمها ، وآدابها التي ينبغي أن يحرص عليها الخطيب حتى يكون ناجحا فاعلا مؤثرا ، فلا بد أن يأخذ بحظ وافر من المران والممارسة ، والتأهل والإعداد والتحضير ، والعلم والثقافة المتنوعة .
ولقد كان لعدد من خطباء العرب البارزين في الجاهلية دور كبير جلي في إخماد الفتنة بين القبائل أو إشعالها ، وكان لهم أثر واضح في المناسبات الاجتماعية من حض على القتال ، وإدراك الثأر ، أو الدعوة إلى رفيع الشيم ، ومعالي الأخلاق ، أو في خطب الوفود أو النكاح ، أو المفاخرات والمبارزات الكلامية ، مما جعل القبيلة تعتز بخطيبها وتفاخر به القبائل الأخرى تفاخرها بشعرائها أو أشد من ذلك .
وهكذا كانت الخطابة في العصور الإسلامية المتعاقبة ، وقد جعل الإسلام أهمية بالغة ، ومكانة عظيمة لخطبة الجمعة لما تختص به من خصائص ، وتتميز به من مزايا تحتم على الخطيب أن يكون على مستوى هذه المكانة ، وتلك الأهمية ليؤتي جهده أكله ، ويثمر الثمرات المرجوة .
خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة - (ج 1 / ص 4)
إن خطبة الجمعة تتميز بمزايا ، وتختص بخصائص لا تتوفر في أي نوع من أنواع الخطب الأخرى ، حيث إنها تمثل شعيرة من شعائر الإسلام ، وتتم في جو مهيب خاشع تتهيأ فيه النفوس للتلقي والاستماع ، ويشعر المسلم فيه أنه في صلاة وطاعة لله جل وعلا ، كما أنها تتميز بوجوب الإنصات إلى الخطيب . وعدم التشاغل عنه ، مما يفردها عن سائر الخطب ، والمحاضرات ، والندوات التي لا ينطبق عليها الحكم الشرعي نفسه .
وتتميز خطبة الجمعة أيضا بالاستمرارية والتكرار في كل أسبوع ، ففي العام الواحد يستمع المصلي لاثنتين وخمسين خطبة ، وهذا يمثل مساقا دراسيا متكاملا ، فإذا أحسن إعداده كانت آثاره جليلة ، وثمراته عظيمة .
خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة - (ج 1 / ص 5)
وتتميز خطبة الجمعة إلى جانب ذلك بتنوع الحاضرين إليها ، وباختلاف مستوياتهم وطبقاتهم العلمية ، والاجتماعية ، فإن الخطيب في خطبة الجمعة يخاطب جميع فئات المجتمع ، ولا يختص الحضور على فئة دون أخرى ، وهذا التنوع يعني تذليل العقبات التي تحول دون تنفيذ طرائق الإصلاح الاجتماعية ، فإن العامل وصاحب العمل ، والطالب والمعلم ، والموظف والرئيس كلهم ي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |